
- سارة غراهام
- رأي
- 08 أبريل 2025
- ثلاث دقائق
يشارك
التجارب المشتركة تصنع الهوية
إذا تحدثت اليوم مع أي مقيم أمضى سنوات طويلة في دولة الإمارات قبل انتشار الهواتف الذكية، وخرائط جوجل، وسيارات الأجرة المزودة بأنظمة الملاحة، فمن المرجح أن تلاحظ ابتسامة تحمل شيئًا من الحنين وهو يستعيد تفاصيل تلك الفترة. فقد كان التنقل في مدينة مثل دبي آنذاك تجربة مختلفة تمامًا؛ مدينة تتغير معالمها بوتيرة تكاد تضاهي سرعة تغير أفقها العمراني، فيما كانت الإرشادات المعتادة للوصول إلى الوجهة تعتمد على عبارات من قبيل: «انعطف يسارًا عند الكثيب الرملي الكبير». أما إذا أخبرك سائق الأجرة بأنه لا يزال جديدًا في المدينة، فكان من السهل أن تتوقع أن رحلتك إلى المنزل ستتحول إلى جولة غير مخطط لها على امتداد شارع الشيخ زايد.
واليوم، تبدو تلك التفاصيل الصغيرة، التي لا يدرك مغزاها إلا من عاشها، جزءًا من ذاكرة جماعية يتشاركها كثير ممن عاشوا في دول الخليج خلال العقود الماضية. وإلى جانب تجارب أكثر تأثيرًا، بدءًا من تداعيات الأزمة المالية في عام 2009، مرورًا بجائحة كوفيد-19، وما شهدته المنطقة من تحديات إقليمية، أسهمت هذه التجارب المشتركة في ترسيخ شعور أعمق بالانتماء إلى الإمارات والخليج عمومًا.
ولعل هذا الشعور المتنامي بالهوية والانتماء يعكس أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام التي تشهدها العلامات التجارية في دول الخليج اليوم.
من الجاذبية العالمية إلى الثقة بالهوية المحلية
عندما وصلت إلى دولة الإمارات قبل سبعة عشر عامًا، كان من الطبيعي أن تميل غالبية العلامات التجارية في المنطقة إلى تبني أساليب بصرية مستوحاة من النماذج العالمية. فقد هيمنت آنذاك التصاميم البسيطة والأنيقة، وأنظمة التصميم المألوفة عالميًا، هي الخيار المفضل للعلامات التجارية، في وقت كانت فيه دول الخليج ترسخ حضورها المتنامي على الساحة الدولية.
أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير.
ومع استمرار تطور اقتصادات دول الخليج واتساع حضورها الثقافي والإبداعي، أصبحت العلامات التجارية أكثر ثقة في التعبير عن هويتها المحلية والإقليمية. وباتت العلامات الأكثر تميزًا في المنطقة أقل سعيًا إلى محاكاة النماذج العالمية، وأكثر اهتمامًا ببناء ارتباط حقيقي مع جمهورها، مستندةً إلى فهم أعمق للثقافة المحلية والواقع الذي تنشط فيه.
ولا يعني ذلك اللجوء إلى استخدام عناصر محلية بشكل شكلي، أو العودة إلى التصاميم التقليدية المألوفة. فما زالت العديد من العلامات التجارية الرائدة في المنطقة تتبنى أساليب معاصرة في التعبير عن هويتها، إلا أن ما يميزها اليوم هو أنها أصبحت أكثر أصالة وارتباطًا ببيئتها، وأكثر قدرة على عكس هوية المنطقة وشخصيتها.
وبات هذا التوجه أكثر وضوحًا في قطاعات مثل الضيافة، والجهات الحكومية، والاستثمار، والعقارات، حيث لم تعد العلامات التجارية تكتفي بالرسائل المؤسسية التقليدية التي تركز على الإنجازات والأداء، بل أصبحت تروي قصصًا تعكس دورها في إحداث أثر طويل الأمد، ومساهمتها في بناء المستقبل الذي تسعى إليه مجتمعاتها واقتصاداتها.
وتُعد مؤسسات مثل مبادلة مثالًا بارزًا على هذا التحول، إذ نجحت في الموازنة بين طموحاتها العالمية ومكانتها المؤسسية، مع إبراز دورها في تحقيق أثر مستدام، ودعم الأجيال القادمة، والمساهمة في دفع مسيرة التنمية الوطنية.
لماذا أصبحت العلامات التجارية الأقرب إلى جمهورها أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى؟
توقعات الجمهور لم تعد كما كانت في السابق. فالجمهور في دول الخليج منفتح على العالم، ومتصل رقميًا، ويتمتع بوعي بصري عالٍ، لكنه أصبح أكثر تقديرًا للعلامات التجارية التي تُعبِر عن فهمها لثقافة المنطقة، وتقدم رسائل تعكس واقعها وطموحاتها. وبات هناك اهتمام متزايد بالأعمال التي تنبع من فهم عميق للسياق المحلي، بدلًا من الاكتفاء بتكرار التوجهات العالمية أو إعادة تقديمها بصورة شكلية.
وفي رأيي، يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع هذا التوجه. فقد أصبح إنتاج أعمال عصرية وممتازة بصريًا أسهل بكثير مما كان عليه في السابق، ما جعلها أقل قدرة على التميز وسط الكم المتزايد من المحتوى المتشابه. ومع تزايد سهولة الوصول إلى أدوات التصميم والإنتاج، تزداد قيمة الهوية المحلية، والقدرة على التعبير عن خصوصية المنطقة وفهم جمهورها، بوصفها عناصر يصعب استنساخها أو إنتاجها آليًا.
وفي كثير من الجوانب، تبدو دول الخليج اليوم وكأنها تدخل مرحلة جديدة في بناء العلامات التجارية؛ مرحلة تتسم بثقة أكبر بالهوية الثقافية، وابتعاد تدريجي عن النماذج المتشابهة التي هيمنت لسنوات، وهو تحول أراه إيجابيًا على الصعيد الإبداعي.
كيف يمكن للعلامات التجارية مواكبة هذا التحول؟
ومع دخول دول الخليج مرحلة جديدة تتسم بثقة أكبر بالهوية الثقافية، تبرز أمام المؤسسات فرصة لإعادة النظر في كيفية بناء علاماتها التجارية، والانتقال من هويات بصرية متشابهة إلى أن تكون أكثر ارتباطًا بالجمهور وتعبيرًا عن هوية المنطقة. وفيما يلي بعض النقاط التي قد تساعد العلامات التجارية على مواكبة هذا التحول:
وفي نهاية المطاف، أعتقد أن العلامات التجارية التي ستترك أثرًا أقوى لفترة أطول في دول الخليج لن تكون تلك التي تحاول أن تبدو شبيهة بما هو سائد في كل مكان، بل تلك التي تمتلك الثقة للتعبير عن هويتها الخاصة، وتعكس ثقافة المنطقة وطموحاتها وطريقتها الفريدة في رؤية المستقبل.