نسعى أن نكون أمة أحلام وعمل، رائدة في الابتكار والإبداع."

صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

قبل نحو عقد من الزمن، لم تعلن المملكة العربية السعودية عن استراتيجية اقتصادية جديدة فحسب، بل أطلقت مشروعًا وطنيًا طموحًا لإعادة صياغة تصور العالم عنها، وتعزيز ثقة مواطنيها بمستقبل مختلف، وتقديم سردية جديدة للمستثمرين والشركاء على المستويين الإقليمي والدولي.

ففي 25 أبريل 2016، لم تكتفِ رؤية السعودية 2030 بوضع أهداف تنموية، بل قدمت تصورًا لمستقبل مختلف، قبل أن تتجسد ملامحه على أرض الواقع، وسعت إلى ترسيخ الثقة بقدرة المملكة على تحقيقه لدى المواطنين والمستثمرين والشركاء الدوليين.

وبعد ما يقارب عقدًا من الزمن، لم تعد رؤية 2030 مجرد طموح للمستقبل، بل تجربة تنموية تشهد نتائجها على ما تحقق من تقدم، وترسخ القناعة بقدرة المملكة على مواصلة مسيرة التحول.

ولم يكن نجاح رؤية 2030 مرتبطًا بحجم الاستثمارات أو وتيرة التحول وحدهما، بل أيضًا بوضوح الرؤية، وثبات الرسائل التي رافقت مسيرة التحول، وقدرتها على ترسيخ الثقة في التوجه الذي تتبناه المملكة.

الاستراتيجية التي شكّلت مسار التحول

قامت رؤية السعودية 2030 على قناعة بأن استدامة النمو والازدهار لم تعد ترتكز على النفط وحده، بل تتطلب بناء اقتصاد متنوع، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز اندماج المملكة في الاقتصاد العالمي.

وشهدت قطاعات مثل السياحة والتقنية والطاقة المتجددة نموًا متسارعًا ومدفوعًا بأهداف واضحة، إلا أن التحول الاقتصادي لم يكن سوى جزء من الصورة الأكبر.

فقد كان لا بد أن يعيد المجتمع النظر في تصوراته تجاه مستقبله، وأن يجد المستثمرون سردية جديدة وموثوقة حول المملكة، وأن تتغير الصورة الذهنية الراسخة عن السعودية لدى كثير من المتابعين حول العالم، وهي صورة ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بانطباعات لم تعد تعكس واقع المملكة وطموحاتها.

عندما يصبح التحول المجتمعي جزءًا من معادلة التغيير

لعل البعد الاجتماعي لرؤية السعودية 2030 شكّل أحد أكثر التحديات تعقيدًا من منظور الاتصال والتواصل. فبينما يمكن قياس التنويع الاقتصادي من خلال مؤشرات الناتج المحلي ونمو القطاعات المختلفة، فإن إحداث تغيير في نظرة مجتمع بأكمله إلى مستقبله يظل مهمة أكثر تعقيدًا، ويصعب قياس أثرها بالأساليب التقليدية.

ومع ذلك، تعكس المؤشرات المتاحة حجم التحول الذي شهدته المملكة. فقد ارتفعت نسبة تمكين المرأة في سوق العمل من نحو 17% إلى أكثر من 33%، في واحدة من أبرز التحولات التي شهدتها أسواق العمل في المنطقة خلال العقود الأخيرة. وفي الوقت ذاته، أصبحت قطاعات الترفيه والفنون والرياضة جزءًا من المشهد اليومي في المجتمع السعودي.

وتحمل هذه التحولات أهمية خاصة في مجتمع يشكل الشباب دون سن الخامسة والثلاثين غالبية سكانه؛ وهو جيل منفتح على العالم، متصل رقميًا، ويتطلع إلى مستقبل يقوم على الفرص والابتكار وجودة الحياة، وليس على الاعتماد على الموارد الطبيعية وحدها.

ولم تكن هذه التحولات مجرد نتائج جانبية لبرامج الرؤية، بل جاءت لتعكس رسالة واضحة مفادها أن مسيرة التحول في المملكة ليست مرحلة عابرة، بل توجهًا استراتيجيًا طويل المدى يواصل البناء على منجزاته وتعزيز أثره عامًا بعد عام.

وكما أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في مناسبات عدة، فإن ما تشهده المملكة يتجاوز حدود السياسات الاقتصادية، ليصل إلى تشكيل الطموحات، وتعزيز الانتماء، وإعادة تعريف نظرة المجتمع إلى مستقبله. فإقناع الناس بهذا التحول لم يكن مجرد مسألة إعلان أهداف أو مشاركة مؤشرات أداء، بل نجاحًا في بناء قناعة مجتمعية بأن التغيير الذي تشهده المملكة حقيقي، ومستدام، وجدير بأن يكون جزءًا من تطلعاتهم الشخصية والمهنية.

من رؤية وطنية إلى نموذج إقليمي للتحول

ولم يعد تأثير رؤية السعودية 2030 يقتصر على المملكة، بل أصبحت تجربتها مصدر إلهام لعدد من الرؤى الوطنية في المنطقة، بما في ذلك رؤية الإمارات 2031، ورؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية عُمان 2040، ورؤية البحرين الاقتصادية 2030. ورغم اختلاف السياقات والأولويات، فإن هذه الرؤى تتقاطع في عدد من التوجهات الرئيسة، وفي مقدمتها تنويع الاقتصادات الوطنية، وتعزيز دور القطاع الخاص، والاستثمار في القطاعات الواعدة بوصفها محركات للنمو المستقبلي.

وباتت العديد من برامج التحول في دول الخليج تنطلق من توجهات متشابهة، فيما أسهم حجم التحول الذي تشهده المملكة ووتيرة تنفيذه في تقديم تجربة يُستفاد منها على مستوى المنطقة. فقد قدمت رؤية السعودية 2030 نموذجًا يجمع بين طموح واضح، وأهداف قابلة للقياس، ورسائل متسقة حافظت على استمرارية مسيرة التحول وعززت الثقة في مساره على مدى سنوات من التنفيذ.

ما الذي تحمله المرحلة المقبلة؟

تمثل هذه الذكرى فرصة للتأمل فيما تحقق، والأهم من ذلك التفكير في الخطوة التالية. فوفقًا لتقرير التقدم الرسمي لرؤية السعودية 2030، تم تحقيق أو تجاوز أو الاقتراب من تحقيق نحو 93% من مؤشرات الأداء المستهدفة، رغم أن أربع سنوات لا تزال تفصل المملكة عن الموعد المحدد لتحقيق مستهدفات الرؤية.

ومن المتوقع أن تُركز المرحلة القادمة بدرجة أكبر على إظهار الأثر المتحقق والبناء على المكتسبات القائمة، أكثر من إطلاق مبادرات جديدة. وستتحول الاستدامة تدريجيًا من طموحات معلنة إلى التزامات واضحة وقابلة للقياس، بينما سيواصل التحول الرقمي إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات وأصحاب المصلحة. وفي المقابل، يرفع جيل شاب ومنفتح على العالم من مستوى التوقعات تجاه الاتصال المؤسسي، متطلعًا إلى رسائل أكثر أصالة وشفافية، وتعبر بوضوح عما تمثله المؤسسات وما تسعى إلى تحقيقه.

إن توثيق هذه المرحلة من مسيرة التحول الوطني يتطلب أكثر من مجرد استعراض للمنجزات. ففي امبرور، نعمل مع المؤسسات في منطقة الخليج على إعداد تقارير توثق الإنجازات والتقارير المختصرة التي تقدم صورة واضحة عن التقدم المحرز، بما يعزز التواصل مع أصحاب المصلحة ويدعم الاستعداد للمرحلة المقبلة.