لم تعد الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) مجرد متطلب للإفصاح وإعداد التقارير، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في تعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات. فمع اعتبار أكثر من 75% من قادة الأعمال أن ESG جزءًا أساسيًا من توجهاتهم الاستراتيجية، بات من الواضح أن هذا التحول ليس مجرد توجه مؤقت، بل مسارًا متسارعًا يعيد تشكيل بيئة الأعمال.

وفي منطقة الخليج، تتجلى ملامح هذا التحول بشكل متزايد. فمتطلبات الإفصاح الإلزامي المتعلقة بـ ESG بدأت تدخل حيز التنفيذ في مختلف أنحاء المنطقة، مع اقتراب الموعد النهائي للامتثال لقانون المناخ في دولة الإمارات خلال مايو 2026، واستمرار الأسواق المالية من الرياض إلى مسقط في تشديد متطلبات الإفصاح والتقارير. وفي الوقت ذاته، باتت المؤسسات تدرك أن ESG، عند تطبيقها بفعالية، لا تقتصر على الامتثال فحسب، بل تسهم في تحسين جودة القرارات، وتعزيز المرونة، وتحقيق قيمة مستدامة على المدى الطويل.

ومع ذلك، فإن وجود استراتيجية طموحة لا يعني بالضرورة تحقيق أثر ملموس. فمع تزايد المتطلبات التنظيمية وارتفاع توقعات أصحاب المصلحة، سواء على المستوى العالمي أو في منطقة الخليج، أصبح من الواضح أن الطموح وحده لا يكفي.

ومن خلال خبرتنا في العمل مع مؤسسات تنتمي إلى قطاعات متنوعة، وجدنا أن الاستراتيجيات الأكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة ومواجهة التحديات العملية تتشارك مجموعة من السمات الأساسية التي تساعد على تحويل التوجهات والخطط إلى أثر حقيقي ومستدام.

  • عندما تصبح ESG جزءًا من طريقة عمل المؤسسة

لا تكون استراتيجية ESG فعّالة إلا عندما تصبح جزءًا لا يتجزأ من طريقة عمل المؤسسة. وهذا يعني أنها لا ينبغي أن تقتصر على تقرير منفصل أو أن تبقى محصورة ضمن إدارة الاستدامة، بل يجب أن تنعكس في العمليات الأساسية للشركة وخطط نموها وسلسلة القيمة بأكملها.

بمعنى آخر، ينبغي أن تؤثر استراتيجية ESG في كيفية اتخاذ قرارات المشتريات، وإدارة سلاسل الإمداد، وبناء فرق العمل، وتسويق المنتجات، وحتى تصميمها بما يراعي نهاية دورة حياتها. وعندما ترتبط ESG بأهداف الأعمال، مثل تحسين الكفاءة، وتعزيز الابتكار، وإدارة المخاطر، فإنها تتحول من مجموعة من الالتزامات إلى جزء أساسي من طريقة عمل المؤسسة وقيمة حقيقية تدعم نجاحها.

  • التعاون بين الإدارات وأصحاب المصلحة

في الوقت نفسه، لا تُصاغ استراتيجيات ESG الفعّالة داخل إدارة أو فريق واحد، بل تنشأ من تعاون وثيق بين مختلف الإدارات، بما في ذلك المالية، والعمليات، والموارد البشرية، والمشتريات، والتسويق، والامتثال. فمشاركة هذه الجهات تضمن أن تكون الاستراتيجية واقعية، وقابلة للتنفيذ، ومنسجمة مع طبيعة الأعمال ومتطلباتها اليومية.

لكن التعاون الداخلي وحده لا يكفي. فمن خلال تجربتنا، وجدنا أن إشراك أصحاب المصلحة الخارجيين، من الموردين والمستثمرين إلى الجهات التنظيمية والمجتمعات المحلية، يسهم في تعزيز مصداقية الاستراتيجية وارتباطها بالقضايا الأكثر أهمية. كما يساعد هذا النهج على كشف الجوانب التي قد تغيب عن الرؤية الداخلية، ويضمن أن تعكس مبادرات ESG توقعات الأطراف المعنية واحتياجاتها، لا أولويات المؤسسة وحدها.

  1. الإسهام في تحقيق المستهدفات الوطنية

أصبحت ESG اليوم لا تقتصر على ما تقوم به الشركات داخل حدود أعمالها، بل تمتد إلى مساهمتها في تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية والاستدامية الأوسع.

فالاستراتيجيات الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تنسجم مع المستهدفات الوطنية، والأهم من ذلك، تسهم بشكل مباشر في تحقيق مستهدفاتها ومؤشراتها. وقد يشمل ذلك دعم أهداف الطاقة المتجددة، أو الاستثمار في التوظيف الشامل، أو دمج مبادئ الاقتصاد الدائري ضمن العمليات التشغيلية.

ويعكس حجم الزخم في هذا المجال مدى أهمية هذا التوجه؛ إذ ارتفعت إصدارات السندات الخضراء والمستدامة في دول الخليج من 605 ملايين دولار في عام 2021 إلى 28.5 مليار دولار في عام 2022. وعندما توضح الشركات مساهمتها في مبادرات وطنية مثل رؤية السعودية 2030 أو رؤية "نحن الإمارات 2031"، فإنها لا تعزز مصداقيتها فحسب، بل تفتح أيضًا المجال أمام فرص جديدة تشمل الحوافز والتمويل والشراكات التي تساعد على توسيع نطاق أثرها.

  1. الاعتماد على البيانات والتخطيط للمستقبل

يبقى قياس الأداء السابق عنصرًا مهمًا، إلا أن الاستراتيجيات القادرة على الحفاظ على فعاليتها بمرور الوقت هي تلك التي تنظر إلى المستقبل، لا إلى الماضي فقط.

ومن واقع خبرتنا، تتيح عمليات التنبؤ وتحليل السيناريوهات فهم التأثير المحتمل للتغيرات المرتبطة بنمو الأعمال أو الأنظمة التنظيمية أو التقنيات أو ظروف السوق على الأداء المستقبلي. وينطبق ذلك على البيانات البيئية والاجتماعية على حد سواء، بدءًا من انبعاثات الغازات الدفيئة ووصولًا إلى مؤشرات التنوع والشمول.

والنتيجة هي أهداف طموحة، ولكنها في الوقت ذاته واقعية وقابلة للتنفيذ. والأهم من ذلك أن هذا النهج يحول ESG إلى أداة استراتيجية حقيقية تساعد المؤسسات على الاستعداد للنمو والتكيف مع المتغيرات، بدلًا من الاكتفاء بتحليل ما حدث في الماضي.

  1. المرونة والقدرة على التكيف

في حين توفر التوقعات والأهداف طويلة المدى اتجاهًا واضحًا، فإن أي استراتيجية ESG ذات مصداقية تحتاج أيضًا إلى قدر من المرونة.

فالأسواق تتغير، والأنظمة التنظيمية تتطور، كما تتبدل التقنيات والمخاطر وتوقعات أصحاب المصلحة، وأحيانًا بوتيرة أسرع مما هو متوقع. ولذلك، ينبغي أن تحافظ استراتيجيات ESG على ثبات توجهها العام، مع امتلاك القدرة على التكيف عندما تفرض الظروف ذلك.

ويمكن أن تساعد المراجعات الدورية في ضمان استمرار توافق الاستراتيجية مع الواقع المتغير، مع إتاحة المجال لإجراء التعديلات اللازمة عند حدوث تطورات جوهرية. ويكمن التوازن في الحفاظ على الاستقرار وتجنب التغييرات المستمرة التي قد تضعف الثقة، مع التحلي بالمرونة الكافية للاستجابة للتحولات الحقيقية في السوق أو البيئة التنظيمية أو التطورات التقنية.

فالهدف في نهاية المطاف هو الحفاظ على فاعلية الاستراتيجية وقدرتها على مواكبة المتغيرات، دون المساس بالالتزامات طويلة الأجل.

الخلاصة

لا تُقاس قوة استراتيجية ESG في عدد المبادرات أو الأهداف التي تتضمنها، بل في قدرتها على إحداث أثر ملموس، وتوجيه القرارات، وتحقيق نتائج قابلة للقياس، والتكيف مع المتغيرات التي تفرضها بيئة الأعمال.

فالاستراتيجيات التي تحقق أثرًا مستدامًا غالبًا ما تشترك في خمس سمات رئيسية:

  • أن تكون جزءًا من الأعمال، لا إضافة منفصلة عنها.
  • أن تُبنى من خلال التعاون والتكامل بين مختلف الأطراف.
  • أن تنسجم مع الأهداف الوطنية وتسهم في تحقيقها.
  • أن تستند إلى البيانات وتمتلك رؤية مستقبلية واضحة.
  • أن تتمتع بالمرونة دون أن تفقد توجهها.

وعندما تجتمع هذه العناصر، تتجاوز ESG كونها مجرد إطار عمل أو متطلب تنظيمي، لتصبح ميزة تنافسية حقيقية تساعد المؤسسات على النمو بثقة، وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة، وخلق قيمة مستدامة على المدى الطويل.