عندما توقف العمل فعليًا في مضيق هرمز أواخر فبراير 2026، انتقلت مجالس إدارات الشركات في دول الخليج مباشرة إلى وضع إدارة الأزمات. إعادة توجيه الشُحنات، وإعادة التفاوض على العقود، والاستعداد لتأثيرات ذلك على هوامش الربح، وهو رد فعل طبيعي في ظل مثل هذه الظروف.

لكن ما يحدث غالبًا في أوقات الأزمات هو تراجع قضايا الاستدامة إلى الخلفية، لتصبح ضمن الأولويات المؤجلة إلى حين استقرار الأوضاع. فتُشدد الميزانيات، وتتغير الأولويات، ويتجه التركيز نحو التحديات الحالية والحلول قصيرة المدى. ورغم أن هذا التوجه يبدو طبيعيًا في ظل الضغوط، إلا أنه قد يكون خيارًا مُكلفًا على المدى الطويل.

فالكثير من التحديات التي تُسارع الشركات اليوم إلى التعامل معها هي في حقيقتها قضايا استدامة، حتى وإن لم تُوصف بذلك صراحةً. فبدءًا من تقلبات أسواق الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، مرورًا بتأثر القوى العاملة، ووصولاً إلى ارتفاع الانبعاثات الناتج عن إعادة توجيه مسارات الشحن، كلها قضايا ترتبط بشكل مباشر بأجندة الاستدامة. لذا، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحديات منفصلة عن استراتيجية الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، بل باعتبارها جزءًا أساسيًا منها.

ويُعرف الإطار الذي يوضح هذه العلاقة بمفهوم الأهمية النسبية المزدوجة  (Double Materiality).

وجهان للمشكلة نفسها

تركّز منهجية الأهمية النسبية التقليدية على التأثير الخارجي: ما الأثر الذي تتركه أعمالك على المجتمع والبيئة؟

أما الأهمية النسبية المزدوجة فتضيف بُعدًا آخر: كيف يمكن لهذه القضايا المرتبطة بالاستدامة أن تنعكس بدورها على الأداء المالي للشركة؟

إنها نظرتان مختلفتان تشكلان صورة واحدة متكاملة.

فماذا يحدث عندما نُطبّق هذا المنظور على الأزمة الحالية؟

لنأخذ شركة مقاولات خليجية كمثال. فعند النظر إلى أزمة مضيق هرمز من منظور الأهمية النسبية التقليدية، قد تبدو القضية محصورة في تداعياتها التشغيلية المباشرة؛ كارتفاع أسعار الحديد وتأخر تنفيذ المشاريع نتيجة اضطرابات الإمداد. ورغم صحة هذه التحديات، فإنها لا تمثل سوى جانب واحد من الصورة.

لكن الصورة تبدو مختلفة عند توسيع نطاق النظر. فإعادة توجيه مسارات الشحن لم تؤدِ فقط إلى زيادة التكاليف، بل رفعت أيضًا الانبعاثات الناتجة عن النقل. كما أن اضطراب حركة العمالة القادمة من جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا ألقى الضوء على قضايا تتعلق بالقوى العاملة ورفاهيتها. وفي الوقت نفسه، تواجه مواد أساسية مثل الألمنيوم والأسمنت متطلبات رقابية أكثر صرامة، في ظل تطبيق الاتحاد الأوروبي لآلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، التي تفرض متطلبات إضافية على المنتجات كثيفة الانبعاثات عند دخولها إلى الأسواق الأوروبية.

هذه ليست تحديات منفصلة، بل أوجه مختلفة للتحدي نفسه. فالقضية الواحدة قد تحمل تأثيرات تشغيلية ومالية من جهة، وتداعيات بيئية واجتماعية من جهة أخرى. ومن هنا، فإن تقييم الأهمية النسبية الذي يركز على أحد الجانبين دون الآخر لا يُقدم صورة متكاملة، وقد لا يواكب المتطلبات التنظيمية المتزايدة وتوقعات الجهات المعنية.

وما الذي يحدث في الواقع؟

للأسف، هذا ما نشهده اليوم.

فبحسب استطلاع Allianz Trade العالمي لعام 2026، أصبحت المخاطر الجيوسياسية تتصدر سجل المخاطر المؤسسية لدى 65% من الشركات، بزيادة بلغت 11 نقطة مئوية خلال عام واحد. وفي المقابل، انخفض الالتزام العالمي بمبادرات ESG بمقدار 22 نقطة مئوية.

بمعنى آخر، تقوم الشركات بتضييق نطاق رؤيتها في الوقت الذي تحتاج فيه إلى توسيعه أكثر من أي وقت مضى.

ثلاث خطوات تستحق التنفيذ الآن

.1 قيّم سلسلة القيمة تحت الضغط

حدّد النقاط التي تتقاطع فيها الاضطرابات الجيوسياسية، مثل تقلبات أسعار الطاقة، وتغيير مسارات الشحن، وقيود العمالة، مع تأثيرات شركتك على الاستدامة. فغالبًا ما تكمن القضايا الأكثر أهمية لأعمالك في هذه المساحات المشتركة.

.2 لا تعتمد على الاستبيانات وحدها

ومن خلال تجربتنا مع العديد من العملاء، وجدنا أن ورش العمل المتخصصة التي تجمع القيادات التشغيلية وفرق المشتريات غالبًا ما توفر رؤى أكثر وضوحًا وقابلية للتطبيق من الاستبيانات العامة.

وإذا كانت الاستبيانات لا تزال أداتك الرئيسية لفهم القضايا الجوهرية، فقد يكون الوقت مناسبًا لتبني نهج أكثر تفاعلية وارتباطًا بالواقع التشغيلي.

.3 اعرض المنظورين معًا أمام الإدارة

عند مناقشة القضايا الجوهرية مع الإدارة العليا، لا تكتفِ بعرض المخاطر المالية وحدها، بل قدّم معها آثارها البيئية والاجتماعية. فالنظر إلى الجانبين معًا هو جوهر الأهمية النسبية المزدوجة، وهو ما أصبح يُشكل معيارًا متزايد الأهمية لدى الجهات التنظيمية والمستثمرين.

الصورة الأكبر

قد يُعاد فتح مضيق هرمز، وقد تنجح سلاسل الإمداد في التكيف وإيجاد مسارات بديلة، لكن الدرس الأهم سيبقى كما هو: فمخاطر الاستدامة ومخاطر الأعمال ليستا قضيتين منفصلتين، بل وجهان للمخاطرة نفسها يُنظر إليهما من زاويتين مختلفتين.

وبالنسبة للشركات في الشرق الأوسط، ربما لم يكن هناك وقت أكثر أهمية من الآن لتبني هذا المنظور الشامل، وفهم التحديات من جانبيها؛ تأثير الشركة على العالم من حولها، وتأثير تلك المتغيرات على أعمالها في المقابل.

إذا كنتم ترغبون في معرفة كيف يمكن لامبيرور (Emperor) دعمكم في تقييم الأهمية النسبية المزدوجة، أو تطوير استراتيجية الاستدامة، أو إعداد تقارير الاستدامة، يسعدنا التواصل معكم عبر: mena@emperor.works